حيدر حب الله

167

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

التحوّل الداخلي البنيوي وبذور تكوّن مدرسة السند مدخل استطعنا - بحمد اللّه تعالى - في الفصل السابق تحديد نظريّة السنّة في المدرسة الشيعية حتى عصر العلامة ، أي القرن الثامن الهجري ، لكن هذه النظرية لم تبق على صورتها منذ العلامة ومن بعده ، حيث دخلت مرحلة جديدة ، سرعان ما تصاعدت وتائرها لتحدث رد فعل عنيف بعد ثلاثة قرون من الزمن ، أي بظهور المدرسة الأخباريّة ، فمهما كانت نظريتنا التاريخيّة إزاء الحقبة الأولى من عصر الغيبة ، أي منذ المفيد والصدوق والكليني وحتى ابن إدريس والمحقق الحلّي ، لا شك - كما سيظهر لاحقا أيضا - أنّ طبيعة تقويم السنّة المحكية كانت له طرائقه التي أخذت بالاختلاف منذ عصر العلامة الحلي ( 726 ه ) ، ويبدو أن جميع الأطراف متفقون على أنّ منهج المتقدّمين في تقويم الأحاديث والتعامل معها كان يقوم بالدرجة الأولى على نظام القرائن ، ومهما فهمنا النظرية العامّة لديهم ، وهل كانت المرجعيّة فيها هي اليقين أو الأعم منه ومن الاطمئنان أو الوثوق ، أو حتى خبر الواحد التعبّدي . . فلا شك أنّ مجال نظام القرائن كان مفتوحا وعلى نطاق واسع ، لقد كانت نظرية الإجماع في أوجها ، كما كانت مقولة إعراض الأصحاب عن الخبر أو عملهم به ذات نفوذ كبير ، وجدناه صريحا - كما تقدّم - مع المحقق نجم الدين الحلّي . السنّة المحكية من ابن إدريس إلى ابن طاوس ويبدو - وفق مقولة بعض الباحثين - أن تجربة ابن إدريس الحلي ( 598 ه ) « 1 » لعبت دورا في إحداث تحوّل كبير في نظرية السنّة عند الشيعة ، لقد كان ابن إدريس مؤمنا بنظرية اليقين ومنكرا أخبار الآحاد ، لكن الفرق بينه وبين من سبقه أنّه أعمل نظريته بشكل أكثر سعة ، انطلاقا من أن تجربته جاءت بعد الثلاثي التطويري في الفقه ، والذي قدّمه الطوسي من قبل ، وهو الخلاف ، والنهاية ، والمبسوط ، لقد أدّت توسعة المساحة الفقهيّة إلى تضاؤل حصول اليقين ، ولمّا أصرّ ابن إدريس على مواصلة طريقه في نظرية اليقين ، وجد نفسه أمام معطيات من النصوص لاحظ أنّها أخبار آحاد ، وهذا معناه أن

--> ( 1 ) - الحسين بن شهاب الدين الكركي ، هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار : 94 ؛ ومحمد تقي التستري ، قاموس الرجال 9 : 93 - 94 .